ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
292
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
محمول عليها على القرب وكان قدومه لعله في غد أو بعد غد ( 1 ) . وروي أن بعضهم كان إذا رأى جنازة قال امضوا إنا على الأثر . وكان بعضهم يقول إذا رأى جنازة اغدوا فإنا رائحون موعظة بليغة وغفلة شنيعة يذهب الأول والآخر لا عقل له . وينبغي لمن شاهد جنازة أن لا يحدث نفسه بشيء سوى ما هو مفعول به وما هو صائر إليه ونحن لا ننظر الآن إلى جماعة يحضرون الجنائز إلا وأكثرهم يضحكون ويلهون ولا يتكلمون إلا في ميراثه وما خلف لورثته ولا يتفكر أقرانه وأقاربه إلا في الحيلة التي بها يتناول بعض ما خلفه ولا يتفكر واحد منهم إلا ما شاء الله تعالى في جنازة نفسه وفي حاله إذا صار إليها ولا سبب لهذه العلة ( 2 ) إلا قسوة القلب بكثرة المعاصي والذنوب حتى نسينا الله واليوم الآخر والأهوال التي بين أيدينا قصرنا نلهو ونغفل ونشتغل بما لا يعنينا فنسأل الله تعالى اليقظة من هذه الغفلة فإن أحسن أحوال الحاضرين على الجنائز بكاؤهم على الميت ولو عقلوا لبكوا على أنفسهم لا على الميت كما قال بعض العلماء ويبكي على الموتى ويترك نفسه * ويزعم أن قد قل عنهم عزاؤه فلو كان ذا عقل ورأي وفطنة * لكان عليه لا عليهم بكاؤه قال رجل يا رسول الله صلى الله عليك من أزهد الناس قال من لم ينس القبر والبلى وترك فضل زينة الدنيا وآثر ما يبقى على ما يفنى ولم يعد غدا من أيامه وعد نفسه من أهل القبور . وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم ما رأيت منظرا إلا والقبر أفظع منه . وقيل أول ما يتكلم ابن آدم حفرته فتقول أنا بيت الدود وبيت الوحدة وبيت الغربة وبيت الظلمة هذا ما أعددت لك فما أعددت لي وقال أبو ذر ألا أخبركم بيوم فقري يوم أوضع في قبري . وكان جعفر بن محمد عليهما السّلام ربما يأتي القبور ليلا ويقول يا أهل القبور ما لي إذا
--> ( 1 ) في بعض النخس [ وكان قد ولعه في غدا وبعد غد ] . ( 2 ) كذا في النسخ والأنسب « الغفلة » .